الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

24

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

فقرب العهد بنزول الوحي لم يفرض على المعاصرين لحضرة الرسول الأعظم صلّى اللَّه تعالى عليه وسلَّم وهم العترة المطهرة والصحابة الكرام البررة بأن يتخصصوا بجانب من جوانب العلم أو المعرفة الإسلامية ، ولهذا فقد كان كلامهم كله على شكل خطب ومواعظ وحكم وعبارات تشير إلى معان صوفية . فمثلًا قول الإمام علي بن أبي طالب كرّم اللَّه وجهَه : « لا شرف أعلى من الإسلام ، ولا عز أعز من التقوى ، ولا معقل أحصن من الورع ، ولا شفيع أنجح من التوبة ، ولا كنز أغنى من القناعة ، ولا مال أذهب للفاقة من الرضى بالقوت » « 1 » يشير إلى ما سيعرف فيما بعد في الاصطلاح ( بمقامات التقوى ، الورع ، التوبة ، القناعة ، الرضا ) وعلى هذا جميع أقوال ومواعظ ووصايا الصحابة ( رضوان اللَّه عليهم ) بجملتها دالة على المعنى الصوفي دون أن تعطيه تحديداً اصطلاحياً إلا ما ندر . ومثال ذلك قول الصحابي الجليل عبد اللَّه بن مسعود رضي اللَّه عنه : « الإيمان نصفان : نصف صبر ونصف شكر » « 2 » فأشار في هذا النص إلى مفردات ستعتبر في العصور التالية من أمهات المصطلحات الصوفية وهي : الإيمان ، الصبر ، الشكر . فالاصطلاح الصوفي في هذه المرحلة لم يكن مدوناً ولا مميزاً شأنه شأن اصطلاحات العلوم الإسلامية الأخرى بل كانت الآيات القرآنية والسنة المطهرة والوصايا والخطب والمواعظ كلها بمثابة البذور الأولى لجميع العلوم الإسلامية وعلى الأخص علم التصوف ومصطلحاته . المصطلحات الصوفية في القرن الهجري الثاني ظهر للمصطلحات الصوفية في هذا القرن وجود أكبر مما كان عليه في القرن الأول ؛ وذلك لتطور الأحداث وتبدل الأمور على كافة المستويات الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وتأثير ذلك كله على حياة المسلمين الظاهرية والروحية .

--> ( 1 ) محمد عبده - شرح نهج البلاغة - ج 4 ص 87 . ( 2 ) الشيخ عماد الدين الأموي - حياة القلوب ( بهامش قوت القلوب لأبي طالب المكي ) ج 2 ص 217 .